السبت، 11 مارس، 2017

مدارسة لأغنية (بَلَّالِي مِتين يَجِي)


مدارسة لأغنية (بَلَّالِي مِتين يَجِي)
                                                د. مُحَمَّد الفاتِح يُوسُف أَبُوعَاقِلَة
***
      تسكن هذا النَّص الفريد من نصوص تراثنا السُّوداني، مزايا تسم صفات الشَّخصية في بلادي. تتكيءُ الذُّات السُّودانية بدءاً، في مقيل الطِّيبة والعفوية على وسائد أَلفاظه، وجرسه وظلال معانيه. في جو من الإلفة والحِن والسَّماحة، ومن ثم يتم استدعاء المُفْردات التي تُريح الدَّواخل، وتسعدُ الخاطر، لأنها مترعة بشجن الأُم الأَخَّاذ، ومحبتها التي تأْخذ بمجامع القلوب، ينْسربُ النَّص الشِّعري سلسالاً من الرَّوى؛ فالكبد لا تبتلُّ وتَطْرى، إلا بذكرِ الأَبناءِ والأَحفاد؛ لهذا كانوا فلذات لهذه الأكباد. وفي (بلَّالي) ما يفيد ذلك؛ فالبلل منتهى الرَّوى وكماله، فهو (بلَّالها)، والذي تبتل كبدها وتهدأ ثائرة أَشجانها عند لُقياه. سُبحان الله، هي بعينها الكَبْد الرَّطِبة التي أَشار إليها رسولنا الكَريم عليه أفضل الصَّلاة وأتم التسليم، والكبد لفظ مؤنث، يصر ابن سيدة واللحياني على ذلك، ولا يقبلا غير تأنيثه، على خلاف الفرَّاء، ونصنا هذا يعضدهما ويصر معهما على ذلك، وحق له هذا!
      يأتي افتتاح خطاب الأُغنية، بمقطع عفوي، مستل من حديث النَّاس اليومي، إلفة معتادة، ويسر في معالجة المسأَلة موضوع النَّص.
      تُطالب المرأة في هذا النَّص بالسَّماح لها بالتحرك (رسِّل التَّسريح اللجي)، وفيه استئذان لطيف، يلتزم قدراً كبيراً من الاحترام، ، ومراعاة وضع المرأة في المجتمع المتشرب بروح الإسلام والفطرة السمحاء، فهي لا تسافر إلا بإذن ولي أمرها، وفي رفقة كريمة مأمونة.
     نستشف في عبارة (يا ود عمتي)، تقديراً لروابط القربى، والتي تؤسس نسيج المجتمع السوداني، وهي التي تعضد المقولة المشهورة (غَطِّي قدحك)، أي عليك بابنة عمك، فابن العم والعمة، لهما اعتبار خاص، وأولية في هذا المقام.
    يأتي ذكر البص الذي يسابق الرِّيح، وهو وسيلة الرحلة إلى الخرطوم، طلباً للراحة والطعام الجاهز، الذي تعده الخادمة، وذلك رغبة في التَّجديد، ومعايشة تجربة الحياة في المدينة، حيث الماء من المواسير بلا مشقَّة، ودون عنت الورود إلى النيل، ومعاناة الدرب التحتاني ذهاباً وإياباً بحمل الماء، وإنني أشتم رائحة مفارقة غريبة في لفظ (نستريح)، فلسان الحال يضمر حالة من النظر إلى راحة أهل البندر، بإعتبارها حق يجب أن يتقاسمه كل الناس، وأن لا يكون وقفاً على ساكني الخرطوم وحدهم. 
    تصرح مريوم في (بندر شاه) للطيب صالح، بمثل هذا الشوق إلى البندر، وما فيه من راحة:(نسكن البندر. سامع؟ البندر. الموية بالأنابيب والنور الكهرباء والسفر سكة حديد. فاهم اتمبيات وتطورات. سبتاليات ومدارس وحاجات وحاجات. البندر. فاهم؟.....) ص 60
      يرد ذكر (الخَدَّامة) في أداء المطرب المبدع صديق أحمد لهذه الأغنية، وترد بلفظ (الخَدَّامي) في أداء المطرب الشَّاب طه سليمان، فلا أَدر، أهي كما وردت على لسان فنان الطمبور الرائع صديق أحمد؟ أم هي ممالة كما أداها المطرب الشاب طه سليمان؟
     يقودنا هذا إلى الإشارة إلى مقدار المساحة المتاحة للمطرب، للتعديل والتجديد في النَّص القديم، ولا أحسب أنَّ لها وجوداً، لأنَّ هذا لا يتوافق مع منهج توثيق الموروثات الثقافية، ذات القيمة التاريخية، درءاً للتشويه الذي قد يصيب تراثنا الشَّفهي الجميل.
  تتعدد المفارقات بين أداء صديق أحمد، وأداء طه سليمان؛ فالأول يورد النص بحيث تتكرر فيه لفظ (يجي)، بينما يحذف المطرب الثَّاني لفظ (يجي)، من مطلع الأغنية. 

         نجد أن صديق أحمد يغني (رسِّل التسريح اللجي)، بينما يغنيها طه سليمان: (رسل لي تسريح النَّجي). ويغني طه سليمان، (قولوا لأمي أنا تاني ماني جايي)، على خلاف ما استمعنا إليه في أداء صديق أحمد، الذي يتغنى بها هكذا: (قولوا لأُمي أنا مَاني جَايي)، فزيادة العبارات في النَّص من قبل طه سليمان، يجعل النَّص يزداد كثافةً، ويتحمل ما لا يطيقه النَّص الشَّعْبِي. فلماذا لا يتحرى المطربون الشَّباب الدَّقة في التَّعامل مع نصوص الغناء الشَّعبي، الموصول بشرايين وأوردة الثَّقافة السُّودانية؟
يؤدي المطرب الشاب طه سليمان، بصورة متميزة، وبصوت شجي:(كان تدور راحتي) بدلاً عن (إنْ دُرتَ راحتي) .. تغيير كثير يحدث للنص الغنائي، وفي هذا ضرر جسيم يلحق بموادنا التراثية الحبيبة إلى الأنفس.  
     إنَّ التَّصحيف والتَّحريف موضوع مهم جداً كتب فيه علماء جلَّة، منهم الحافظ علي بن عمر الدارقطني، والحسن بن عبدالله العسكري، وابن الصَّلاح، والنَّووي، والسُّيوطي، وابن حجر، ومما قاله العسكري عن التَّصحيف: [1]
   "فأمَّا معنى قولهم الصحفي والتَّصحيف فقد قال الخليل: إنَّ الصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصُّحف بأشباه الحروف. وقال غيره: أصل هذا أنَّ قوماً قد أخذوا العلم عن الصُحف من غير أن يَلْقَوْا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه التغيير، فيُقال عنده: قد صَحَّفوا، أي ردَّدوه عن الصُّحف، وهم مُصَحِّفون، والمصدر التصحيف". ومما ورد عن التصحيف قول القائل:"ومن التصحيف والتحريف ما يكون نتاجًا لخطأ السمع لا لخطأ القراءة، كأن يملي المملي كلمة "ثابت" فيسمعها الكاتب ويكتبها "نابت"، أو "احتجم" فيسمعها الكاتب "احتجب". ومن هذا ما جاء في قول الراجز:
كأن في ريقه لما ابتسم          بلقاءةً في الخيل عن طفل مُتِمْ
إنما هي: "بلقاءَ تنفي الخيل".
   "التَّصحيف ما كان بتبديل الكلمة بكلمة أُخرى تشابهها في الخطّ وتخالفها في النقط، والتحريف ماكان بتبديل الكلمة بكلمة أُخرى تشابهها في الخطّ والنقط، وتخالفها في الحركات.
ولهذا الاختلاف في معنى العنوانين المذكورين، كتب محقّق كتاب تصحيفات المحدّثين [2] في مقدّمة تحقيقه قائلاً:
    التَّحريف: هو العدول بالشيء عن جهته، وحرّف الكلام تحريفاً: عدل به عن جهته، وهو قد يكون بالزيادة فيه، والنقص منه، وقد يكون بتبديل بعض كلماته، وقد يكون بحمله على غير المراد منه. فالتَّحريف أعم من التَّصحيف.
التَّصْحِيفُ هو تغيير لفظ الكلمة الناشئ عن تشابه حرفها.
   ومن الأمثلة المشهورة على التصحيف قصة (توما الحكيم)، الطبيب الذي كان يطبب الناس بما يقرأه في الكتب، وقد لا يحسن فهمه، مثل تصحيفه للمقولة الآتية: "الحية السوداء شفاء مِن كلّ داء". فصحف كلمة (حَبَّة)، فصارت عنده (حَيَّة)، فمات من جراء هذا التَّصحيف خلق كثير.
  هل لهذه المفارقات علاقة بما ذهبت إليه من إيراد التَّصحيف والتحريف؟ مما لاشك فيه أن هناك صلة تربط بين الظاهرة محل النظر وبين التصحيف والتحريف، لأن نقل النصوص التراثية من الصُّحف ومواقع الإنترنت، يجعلها تتلون بألوان غير ألوانها، وكذلك سماعها بدون تركيز وبعجلة يصيبها بالعلل. ولقد استمعت في مرة من المرات إلى مطرب يغني ويقول:
(تبكيك المساجد الانبنت طابقين)، عوضا عن (تبكيك المساجد الانبنت ضانقيل)، وكل هذا نتاج عدم التركيز، وعدم التعامل مع نصوص التًّراث بالقدر الذي يليق بها.



 
     نقف كثيراً عند مفتتح الخِطاب الشِّعري (الله إنْ جَابَك يا عَشَاي) ونجد فيه اليقين الرَّاسخ بأَنَّ الأَمرَ كله بإذن الله تعالى، فمجيءُ (البَلَّال) لا يكون إلا بإرادة المولى القَدير، فإنْ يسَّر الله تعالى هذا المَجيء، فهي تطلب (راس سُكَّر وتُمنَة شَاي)، وهي بالمقادير القديمة التي تشير إلى فترة الخمسينيات والستينيات، وهي لا تطلب هذا لنفسها، بل تتقاسم نصفه مع صويحباتها والنِّصف الثَّاني تعطيه لأُمها، التي تصفها بقولها: (حَبيبة قَسَاي)، وكم من شجن، ولطف ومحبَّة في هذا التَّعبير: (حبيبة قَسَاي)، فهي ليست حبيبة لحظات السُّرور واللين فحسب، بل هي شريكة الفرح والتَّرح، واللين والقسوة، وعند الشَّدائد تُعْرَف معادن النَّاس، كما قال الإمام الشَّافعي رحمه الله:
                     جَزى اللهُ الشَّدَائدَ كلَّ خَيْرٍ
                          وإنْ كانت تُغَصصنُي بِرِيقِي
                      ومَا شُكري لَهَا إِلَّا لأَنِّي
                       عَرَفْتُ بِها عَدُوِّي مِنْ صَدِيقي
  وردت فصول في تاريخنا القريب، تتحدث عن رأس السُّكَّر، ودوره في بعض المواقف الاجتماعية في السُّودان، والدكتور شوقي بدري، هو من رصد لنا هذا الدور في دراسته المنشورة بسودانيز أون لاين، والتي ذكر فيها معركتين كانتا بسبب السُّكَّر، هما معركة (العُقَال) بين الحمر والكبابيش ومعركة (القرطاس)، ويورد فيها قول الشَّاعر:  
من ما جات بابور النَّصــــــــــارى
لا سعيت تور لا بقر لا حمــــارة
مَالي كُلُّو راح في المَكَتَّم بالدُّبَارة  
   يقصد بالمكَتَّم بالدُّبارة (راس السُّكَّر)؛ لأَنَّه يأْتي في شكل رأْس مخروطي، يلف بورق أزرق، ويربط بخيط من الكِتَّان. كما أشار إلى سُكَّر البَغِيتَه (سُكَّر أَسْمر على شكل حُبيبات) والذي قيلت فيه الأُغنية المشهورة في الخَمسينيات:
(يا بَنَات بَلاش قَرْضَمَة .. دي البَغِيتة المَدَرمة).
    رَوَاء النَّص يَشُرُ غَيْمةً من السُّمُو العَاطفي الآسِر في آذان سامعيه، فهناك راسب من الأَشجان المَخْبُوءة في الجَوِّ العام للأُغنية، وهو مُحصلِّة أَشواق الفتاة السُّودانية العفوية الطَّيبة الأَصيلة. ولقد صرح النَّص بأَنها فتاة سودانية من خلال عبارة (البنُّوت المَعَاي).
    (جُمعة جٌمعة نَزور الضَّريح) تقصد ضريح السيِّد علي الميرغني، الرَّجل الصَّالح مؤسس الطَّريقة الخَتمية، وهذا شاهد قوي على الارتباط الوَجْداني بين المتصوفة ومريديهم بالسُّودان، وتراثنا الشَّعبي زاخر بمثل هذا الارتباط، وهذه الوشائج المتينة بين الصُّوفية ومريديهم، فكثيراً ما سمعنا لفظ (يا با الشيخ)، و(يا الصُّلاح أجمعين)، و(يا شيخي)، في خطاب المريد مع شيوخ طريقته التي سلكها.
  تشير مفردات النص الغنائي إلى ملامح الحيز التاريخي الذي نظم فيه، فالمفردات: (ألمي)، و(نزور الضريح)، و(راس السكر) و(تمنة الشاي)، كلها مما ساد وكثر تداوله في نهاية الخمسينيات والستينيات. وتكون مثل هذه المفردات مفاتيح ودلائل، على الحيز التاريخي الذي أنتج فيه النص.
الله إنْ جَابك يا عَشاي
جِيبلي راس سُكَّر وتُمنَة شاي
نُصُّو للبنُّوت المَعَاي
نُصُّو لى أُمي حبيبة قَساي
بَلَّالي متين يَجِي آآآيمة
بلَّالي مِتين يَجِي
    ينسجم النص الشعري مع إيقاع الدليب، ويتناغم مع ضرباته وتقاسيمه، التي ماهي إلا مشاعر وأحاسيس مخزونة، ومدخرة في وعي الناس عبر التاريخ القديم، الذي لم يُسبر غوره بعد، ولكنها ليست بالعصية على الإدراك، فعندما تستمع إلى الموسيقار اليوناني ياني كريسماليس Yanni ومعه عازفة الكمان كارين بريقز Karen Briggs، والعازف آرمن أناسيانArmen Anassian، في دويتو الكمان، ضمن معزوفة  Within Attraction، على إيقاع الدليب، تمتليء طرباً وأنت تحس بأنَّ هذا الإيقاع ينتمي إليك، ويشد أحاسيسك ويهزها هزاً. وتتساءل عندها عن كيفية وصول هذا الإيقاع إلى الموسيقار Yanni، هل لديه في ثقافته الموسيقية ما يشبه هذا الإيقاع؟ أم هي ثقافتنا رفدت العالم وأفاد منها؟ وأنا عند الرأي الثاني فثقافتنا عريقة وقديمة جداً.

الرُّسُول يا ود عَمَّتِي
إنْ دُرت راحْتي
إنْ دُرْ جَمَّتِـي
رسِّل التَّسْريح اللَّجي
بَلَّالي مِتين يَجي آآآآيُمَّة
*** 
   تتمثل ملامح الشَّخصية السُّودانية في كثير من عطاء الإنسان السُّوداني، ومن خلال هذا العطاء يمكننا بيسر فهم مكنونات هذه الشَّخصية، وما دمنا نسعى ونحلم بأن نجد التَّوصيف الأمثل لقسمات الهوية السُّودانية، لابد لنا من العناية والحرص على هذا الموروث، والعمل على المحافظة عليه، والرجوع إليه في مظانه للدِّراسة، والنَّظر والتحليل، لاستنباط المفاهيم المُهِمَّة.
                                                               د. محمَّد الفاتح يوسف أبوعاقلة



[1]  ويكيبيديا
[2] تصحيف المحدثين  الحسن بن عبدالله العسكري، المطبعة العربية الحديثة، 2010 م، ط/ 1 ، تحقيق محمود أحمد ميرة.