الأربعاء، 9 يناير، 2013

التّجاني يوسف بشير بوتقة الرؤى والرّحيق



 التّجاني يوسف بشير بوتقة الرؤى والرّحيق
                                      بقلم أ. محمد الفاتح يوسف أبوعاقلة 
 شاعرٌ فذٌ وعبقريٌّ نابه من عباقرةِ الكلمِ والفنِّ والإبداعِ في بلادي، حَري بنا أن نحتفي بأشعاره ونوليها قدراً مُعتبراً من المُدارسةِ والنَّظرِ، ويتأتى لنا بعضُ هذا إن قمنا بنثرِ عيونِ شعره في مناهجنا عبر معظم المَراحلِ التَّعليميةِ.
        في شعرِه صلةٌ عميقةٌ ولُحمةٌ أصيلةٌ براسبنا الإنساني الحضاري! أشواقه، رؤاه، فكره، معايشته لواقع المجتمع السوداني آنذاك، وفي مَرْحَلةٍ مِفصليةٍ من مراحلِ تطورِ البلاد، خطوطه  ترتسم على قسمات وجودنا الحي غربة المثقف المبدع بيننا، والتي لا  تزال آثارها تلف حياتنا وواقعنا غربة عجيبة ! 
                  من بحر الكامل الأحذ
حَبَكَ الْقَضَاءُ شِرَاكَهُ وَرَمَى   لِلْعَقْلِ مِنْهُ بِضَيِّقٍ ضَنْكِ
وَالْعَقْلُ يَنْصِبُ مِنْ حَبَائِلِهِ   نُصُبَاً مَعَاقِدُهَا مِنَ الشَّوْكِ
أَنَا مِنْ قَوَادِحِ مَا تَجُرُّ يَدِي     أَبَدَاً قَنِيْصَةُ ذَلِكَ الْحَبْكِ
مَا زِلْتُ أَقْطَعُهُ وَيَعْقِدُنِي        وَالْمَرْءُ بَيْنَ قَلاقِلٍ رُبْكِ
      ويقول التجاني يوسف بشير

تَبَارَكَ الَّذِي خَلَقْ    مِنْ مُضْغَةٍ وَمِنْ عَلَقْ
سُبْحَانَهُ مُصَوِّرَاً     مِنْ حَمْأَةِ الطِّيْنِ حَدَقْ
شَقَّ الْجُفُونَ السُّودَ وَاسْتَلَّ مِنَ اللَّيْلِ الْفَلَقْ
وَاسْتَخْرَجَ الإِنْسَانَ  مِنْ مَحْضِ رِيَاءٍ وَمَلَقْ
مُفْتَرِعَاً مِنْ فَمِهِ         سِرَّ الْبَيَـــــانِ فَنَطَقْ
وَجَاعِــــلاً بَيْنَ حَنَايَا         هُ فُؤَادَاً فَخَفَــقْ
من مجزوء الرجز
ديوانُه إشراقة فيه كلُّ الإشراقِ والقُوةِ والجزالةِ والبَلاغةِ فِي قوالبَ من موسيقى الشِّعرِ وسِحْرِه. رغم المكابدةِ والأوجاعِ أوجاعِ الحياةِ التي تتمنعُ وتشاكسُ، رغم كلِّ هذه العقباتِ، تبَرعمتْ وازدهرتْ وأثْمَرتْ قطوفُ (إشراقة)، وتذوقنا حلاوةَ جَناها، فيا سبحان الله !!!
   إنها النفسُ الكبيرةُ، نفسٌ يطالُ مُرادُها الجَوزاءَ!! ولا تُقْعدُها صَدَمَاتُ الحياةِ، وشَظَفُ العَيْش فِيهَا.
هذا شاعرٌ يستحقُ منَّا كلَّ العنايةِ والحفاوةِ والتَّقدير، فهو عبقريةٌ قلَّ مثيلُها في مضمارِ الشِّعر، إنْ حاصرنا النُّصوصَ في حيِّزها الجُغرافيِّ والتَّاريخي، وفي البالِ أبو القاسم الشَّابي، شاعرُ تونسَ الخضراء، الذي عاش معه في نفسِ الفَترة الزَّمنية، وفارقَ الدنيا وهو في مثلِ سني عمره، والتي لم تتجاوزِ الخَمسَ والعشرين سنةً، عجبي لهذا الأمر!! فاعتبارُ الكمِّ هنا مدعاةٌ للعبرةِ والعظة!!! 
      ارتباطُه بالمَعْهَدِ العِلمي ونَظْمُه لقصيدتِه المُفَكرةِ ( المَعْهدُ العلمي) (عَرْضُحالٌ) لصِراعِ الأفكارِ ومعايشةِ الرَّأي الآخَرِ عندنا، بين التصالحِ والتَّقاطعِ معه!! درسٌ من الدروسِ التي ألقاها علينا، ولم نستفدْ منها بَعد! ولكنه لا زال متاحاً!!
                                                                 القصيدة على بحر الكامل الأول  
السِّحــــر فيكَ وَفيكَ مِـن أَسبابـه دَعَـةُ الـمُـدِل بِعَبقـري شَبابـه
يا مَعْهَدي وَمَحطَ عَهـدِ صِباي من دارٍ تَطرّقُ عَـن شَبـابٍ نَابـهِ
واليَومَ يَدفَعُني الحَنيـنُ فأنثني وَلهـــــانُ مُضطَرِبـاً إِلـى أَعْتابِـهِ
سَبقَ الهَوى عَينَيّ في مِضْمـاره وَجَرى وَأَجفَل خاطِري مِن بَابهِ
وَدَّعـتُ غَـضّ صِباي تَحتَ ظِلاله وَدَفنت بيض سني في مِحرابهِ
نَضّـرتُ فَجر سنـي مِـنْ أَنْدائِـهِ وَاشتَرتُ ملءَ يَديّ مِن أَعنابِهِ
هُوَ مَعهَـدي وَلَئن حَفظت صَنيعه فأَنا ابنُ سَرْحته الذي غَنـَّى بِهِ
فَأَعيذُ ناشئة التُقـى أَن يرجفــــوا بِفَتـى يَمتّ إِلَيـهِ فـي أحسابـهِ
مـا زِلت أَكبَرُ في الشَبابِ وَأَغتَدي وَأَروحُ بَينَ بخٍ وَيا مَرْحَى بِـهِ
حَتّى رُميتُ وَلَستُ أَول كَوكَـب نَفِس الزَمانُ عَلَيهِ فَضلَ شِهابـه
قالوا وَأرجفتِ النُفوسُ وَأَوجفت هَلَعاً وَهاجَ وَماجَ قَسـورُ غابـهِ
كفر ابنُ يوسفَ مِن شَقيٍّ وَاعتَدى وَبَغَى وَلَسـتُ بِعابـئٍ أَو آبـه
قالُـوا احرقُوه بل اصْلبوه بل انسفُوا للريحِ ناجسَ عظمهِ وإهابة
وَلَو أن فَوقَ المَوتِ مِن مُتلمـسٍ لِلمَرءِ مُـدّ إِلَـيّ مِـــــــن أَسبابـه
          قصيدةُ (الصُّوفي المعذب) توغلُ في عوالمِ مرتكزاتِ الثقافةِ السُّودانيةِ وتستبطنُ أسرارَ الوجودِ الحقْ، وتجلياتِ الحضورِ والشَّهادةِ والجَذبِ في نزوعٍ فكريٍّ يستحضرُ أبا تمام، وأبا العتاهية وأبا العلاء المَعَرِّي، وأبا القاسم الجنيد والحلاج وابن الفارض، فيسمو بالمَعنى، ويستخلصُ الفكرةَ من قبضةِ طينِ الوجودِ العطن، ويَرى خلفَ غيومِ الآني الكثيفِ ما لا تراه العينُ التي ران عليها اشتغال الأنفس بالمعاشُ ومغالبة كبد الكدح في طلب اللقمة الحلال. 
                                                          (على بحر الرمل) 
الوجودُ الحـقُّ ما أوسعَ في النَّفسِ مَداه
والسُّكونُ المحضُ ما أوثقَ بالروحِ عُراه
كلُّ ما في الكونِ يمشي في حناياهُ الإله
هذه النملةُ في رِقَّتهــــــــــا رجـعُ صداه
هو يحيـا في حواشيـها وتحيـا في ثراه
وهـي إنْ أسلمتِ الـــــــروحَ تلقتـها يداه
لم تمـتْ فيـها حيـــــاةُ اللهِ إنْ كنتَ تَـراه
     (أنشودةُ الجِّنِّ) غنائيةٌ عالية وتنويعٌ على النَّغم الموسيقي المتاح للقصيدةِ العربيةِ ويتجلَّى رواءُ اللحنِ المستكنِ في النَّصِ من خلال دوزنةِ شجنِ المُغَنِّي (سيد خليفة) رحمه الله، والصادرِ من ينابيعِ شدوِّه المترعةِ بالصَّحوِ والإشراق. القاموسه (نقاوة) من ألفاظِ العربيةِ القُحَّة (الرُّبى الوهادْ البيدْ ومعْبد وزريابْ والرَّباب ومناجاة الأعراب) في ملمحٍ من الاستغراقِ في الطبيعةِ التي تغْمِسُ النَّصَّ أو تكادُ في الرُّومانسيةِ العذبةِ 
                                                               (المنسرح الرابع توشيحاً)  
قـُمْ يـا طرير الشَّباب
غـَـنِّ لـنَـا غـَـنِّ
يـا حُـلو يا مُستطاب
أُنــشـودةَ الـجِـنِّ
وأقـطِفْ ليَّ الأعنـاب
وأمْــلأ بـها دَنـِّي
مِـن عـَبْقَرِيِّ الرَّباب
أو حـَـرمِ الـفـَـنِّ
صح في الربى والوهاد
واسـترقص الـبيدا
واسـكب عـلى كل ناد
مـا يـسحر الـغيدا
وفـجِّـــر الأعــواد
رجـعـا وتـرديـدا
حـتى ترى في البلاد
مــن فـرحة عـيدا
وامـسح على زرياب
واطـمس عـلى معبد
وأغـش كـنار الغاب
فــي هـدأة الـمرقد
وحــدث الأعــراب
عـن روعـة المشـهد
قصيدةُ تُوتِي في الصَّباحِ Gallery ومرسمٌ مفتوحٌ على جروفِ النيلِ صباحاً ومساءً في حضرةِ أهلِنا الميامينَ في توتي، فالشاعرُ يكتبُ تاريخَ جغرافيا المكانِ والمجتمعِ.
              يقول التجاني على على بحر المجتث 
     يا درةً حفَّهـا النيـــــــلُ واحتواها البرُّ
     صحا الدُّجى وتغشَّاك في الأسرَّةِ فجرُ
      وصاحَ بيــــن الرُّبى الغُـرِّ عبقريُّ أغرُ
      وطافَ حَولَك رَكبُ من الكَراكِي غُـــــرُّ
     وراحَ ينِفِضُ عينيه من بني الأيك حُرُّ
      فمـاجَ بالأيكِ عُشٌّ وقامَ في العُشِّ دَيرُ
    كم ذا تمــــازجَ فنٌّ على يديكِ وسحـرُ
     يخــــورُ ثورٌ وتثغو شـاةٌ وتنهقُ حُمرُ
      والبَهمُ تمــــرحُ والزَّرعُ مونقٌ مخضرُّ

ومما أسقطه مُصَممُ المَنْهجِ التَّعليميِّ مِن النَّصِ:


وَطَــلَّ قَرْنُــكِ يا شَمـــــــسُ آنذَاك يـُذرُّ
فكلُّ غُصــن مَصابيــحُ مِن نَدَى يُستدرُّ
ونوَّرَ الطلُّ واحمَّـر فِي الثَّرى المُخْضَرُّ
وذَابَ في الرَّملِ أو ماجَ في الترائبِ تِبرُ
تُرجِّلُ الرِّيـحُ ما أنْهَالَ من نَقَــــا أو تذَرُّ
رَمَـلاءُ يُبـْرِقُ دُرُّ مِنْهَا ويُبْهِــــــــــرُ ذَرُّ
-عبقريةٌ في اللغةِ العربيةِ ومآلاتِها، الشَّيءُ الذي نَحِنُ إليه الآن !!
-عبقريةٌ في الأسلوبِ يترسمُ خطاها المبدعونَ وطلابُ الأدب.
-عبقريةٌ في الأفكارِ والرؤى والأخيلةِ، تهفو لها أنفسُ القومِ في كلِّ المواقيتِ ! 
                                              قصيدة محراب النِّيل 
                                                                          (بحر الخفيف)
                            أنتَ يا نيلُ يا سليلَ الفَراديسِ
                                                نبيلٌ موفَّقٌ في مَسابك
                           حضنتك الأملاكُ في جنةِ الخلدِ
                                             ورفَّت على وضئ ِعُبابك
                            وتحدَّرتَ في الزَّمانِ وأفرغتَ
                                        على الشرقِ جنةً من رِضابك 
                           عجبٌ أنتَ صاعداً في 
مراقيك
                                        لعَمْري أو هابطاً في انْصبَابك
                           كم نبيلٍ بمجد ماضيك 
                                       مأخوذٍ وكم ساجدٍ على أعتابك
      بين نثرِه وشعرِه صلةٌ عميقةٌ! 
أشار إلى ذلك الأديب الرَّاحل الدكتور محمد عبد الحي -عليه رحمة الله-، في دراسته القيمة عن التجاني يوسف بشير،  تحقيق الآثار النثرية الكاملة للتِّجاني يوسف بشير. 
                      يتبع...

    





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق