الخميس، 28 مارس، 2013

قصة قصيرة : انتظار انشطاري/ محمد الفاتح يوسف أبوعاقلة


                                      بسم الله الرَّحمن الرَّحيم 
قصة قصيرة:
       انتظار انشطـــ ـــ ــــ ـــ ـــ ـــاري
                                        محمَّد الفاتح يوسف أبوعاقلة 
         صباح غريب تتمطَّى فيه الأشياءُ وتتثاءبُ... الضوءُ ثقيلٌ وباهتٌ وغبي... طائرُ الدَّار الأغبرُ على النافذةِ يبرق بعينيه الخرزتين اللامعتين، ويسكن في جمود غير مألوف...
      : قُمْ أيها الكسول ! قُمْ! 
        أغنية لمغنية مجهولة صوتها يابس وبلا ملامح تجرح حلق الصمت وتنبعث من مسجل عربة ترحيل أطفال الروضة...تحكي كلماتها عن حلاوة الزواج من رجل متزوج من أخرى!  كركبة وخشخشة صادرة من أكياس الفضلات المرمية، التي هجرتها عربة نقل الأوساخ ، وما زالت تنتظر في ضجر. ساحت جوانبها، وانصهرت مكوناتها، وسالت أمعاؤها، وانبعثت روائحها المستفزة القوية..  إنه ولا شك الصامت المشرد الغريب، الذي لا يفتر من نبش مخلفات أكياس البيوت، التي تحمل بصماتها، وعرضحالها الواضح. هذا حظ القطط المهملة والغرباء، أصدقاء شمس النهار، ومجاري التَّصريف المسدودة التي تحتضنهم شتاءً وتحن عليهم، وتحجز لهم تجويفها المظلم الرطب الدافئ مجاناً، كما تشملهم براميل الأوساخ برعايتها  يشعلون ما بداخلها، وينامون في حضنها الدافئ، إلى حين...   
       بيييب...بيييب، يتبجح بوري عربة اللبن المخلوط بماء الترعة التي مرَّت بها، في طريقها من الأطراف إلى قلب المدينة، والمحقون بالبنسلين حتى لا ينكشف ما به من طفح فاضح.
             بيييب.. بيييب ... الحليب العجيب.....بيييب ...بيييب ..الحليب الغريب...أوعى تسيب الحليب الحليب...بيييب بيييب ... ثم نشرة الأخبار... وموجز منجزات سعادة الراعي الأريب الحسيب،
        : قُمْ أيها الكسلانُ الرَّمدان! قُمْ وسَبـِّـــح الواحدَ الدَّيانَ...وقُلْ يا فتَّاحُ  يا رحمن!
         يحط الطائر المألوف الأغبر، على نافذة مكسورة الترباس، حائلة وطلاؤها متقشر،  يداعب النعاس جفنيها في الصباح، إنه طائر الدَّهشة والرَّتابة معاً! لم يغب يوماً عن مشاكساته، ولا يمل من مداعبة أنثاه...تنفض ريشها وترتعش مهتزة  عقب كل قفزة وطلعة من طلعاته
     حَطَّ هذه المَرَّة على صنبور الماء، ذي الفم الأخضر اليابس، رشيقاً ينظرُ من أسفل إلى أعلى... ينتظر قطرة الماء التي لا تأتي في صبرٍ ونشاط. الماء لم يسر في المواسير، حتى هذا الوقت من مواعيد الحياة... فلتنتظر الحياة طويلاً بلا ماء! الكل ينتظر ويترقب انسياب الماء في هذا التوقيت بالذات! لأنه مطلع معزوفة الفراغ الممطوط..
      الكل ينتظر ويترقب، وأنت في فراشك المتهرئ، المتسخ بنزوات الأحلام، وكوابيس التوتر والظلام ! قم وانتظر مع الآخرين!
      :.................................
       نعم أعرف هذا...كلهم مثلك تماماً ...طيور  متشابهة سمجة ...غابة من البان لا شيء فيها غير البان، بان، بان، بان ثم بان، لا شيء غير شجر البان. لون بلا تدرُّج لون واحد، باهت (سهكته) الشمس، وفسخت جلدته اللامعة، فصار بدون لونه القديم... لونٌ باهتٌ، رتيبٌ  لا عمقَ فيه، ولا ظلال!
     سبعةُ أَجانب يرتدون زِيـــَّـــاـً مُتَّسِخَاً كـُــتبت على ظهره  عبارة: " ابتسم أنت معنا في محلات أُبـُّــهة الوجبات"... يتدحرجون في تثاقل مكشوف، وخطوات يائسة بائسة ومُنْكسرة، كأنهم إلى مشانقهم يُساقون. ترتطم أَقدامُهُم بأكوام الحجارة، ومربعات الأسمنت والتراب، وأشلاء ضفيرة البيت القديم، الذي جُدِّد للسَّيدةِ الجديدةِ، وشمخ وتطاولَ وارتفعَ، يـُـناطحُ مَزْهواً المآذنَ وأبراجَ الاتصالات! ويراقبُ الجيرانَ  في الحيِّ الغَلبان بلا استئذان!
       الحجارة والأكداس، تلتهم طريق السابلة، وتحاصر العابرين...
   :دعيني وشأني أرجوك !  كلُّ العالم لا يسعني إنْ قُمْت ! اتركيني أرجوك!
         صوت ارتطام حاد، أنين مكتوم ... صرخة مدوية... لغط يعلو ... هرولة أقدام تتداخل الأصوات الهمهمات المتشنجة ولولة النسوة تدافع وجلبة ونقاش حاد..
: لقد ظهر فجأة !
: عبر  الشارع  أمامي بغتة !
: هذا شارع بين البيوت، شارع عادي بين البيوت العادية، وليس طريقاً للمرور السريع ذي الرادار، أين الفرامل؟ وفيم العجلة والشفقة والسرعة ؟
: ألم تتعلموا الانتظار؟ اتصلوا يا جماعة فليجر أحدكم اتصالا بأي جهة كانت
: بأي رقم نتصل؟
:  مــــــــــات !
: أرقد أرقد ما تقوم؟ الناس في شنو، وإنت الراقد ليها شنو؟
: أها والقايم ليها شنو ؟ اتركيني في حالي يا ولية، دعيني أرجوك!
     لا زال الطائرُ الأغبرُ على صنبورِ الماء ... عاد إليه بعدما جفل منه بسبب صوت الارتطام...يتدلى ويتأرجح، في توازن ومقدرة من أسفل إلى أعلى، حذراً، رغم الإلف والعشرة الطويلة، به خوف من الآخر المنتظر العجيب! متشبثاً بماسورة الماء... طار وحلق بعيداً ثم حط يشاكس مرة أخرى، ولكنه قوبل بالصد والممانعة هذه المرة كلما تأخر مجيء قطر الماءزاد من حراكه وقلقه ومماحكاته، لقد أدمنت هذا الفعل هل ترغب في الهلاك لتنفك من هذا الانتظار؟ ما في طريقة! (قالتها بغنج ومكاواة) كفى ! لم يستجب بإرادته، ولكنه أمسك إلى حين!
        خرجت وتركته على حاله ... لم تغب طويلاً عادت والنهار بكل غيظه وهجيره على محياها : كل شيء مغشوش، البصل، الزيت، الدقيق، والخضار رائحته كرائحة (أندرين) الحواشات وبنزين الطائرات! ولم تخطر اللحوم على بالها، فلقد ألفت فراقها واعتادت!
 :كل شيء مغشوش حتى الكلام! زَمَّت شفتيها، وجلست تسوي ثوبها، وتهرش شعرها، وتجيل بصرها في الأشياء! هل وصلت المياه؟
: لا تسأليني، بل اسألي ود أبرق !
: عالم طير ... قالتها وضحكت ..تنفَّست بعمق. أزاحت الابتسامة الطارئة العرقَ، وخطوطَ الغمِّ والحزنِ، من على مقدمة وجهها... لم يغادر فراشه، بل أدار رأسه المنبعج الأشعث تجاه الحائط الغربي... تابع ببصره الصدع الذي يبدو في حالة اتساع وتمدد، يوماً بعد آخر.. اكتشف لحظتها أن بعض الشقوق والتصدعات، قد كبرت واتسعت، حتى أنه يمكن للعقارب، وبقية الحشرات الكريمة، من أن تتخذ منها سكناً، في مشاريع الإسكان غير  المؤجل، للسادة والسيدات الحشرات، دون تمييز ومحاباة،  لطبقات دون طبقات، في عالم الحشرات!
  : لماذا لا نستقدم بيت خبرة في الإسكان من عالم الحشرات؟ ما المانع في ذلك؟
: نعم ! نعم الله عليك اتركيني حالي يا ولية! اتركيني يرحمك ويغفر لك الله!
     إنه ليس بالشَّق الوحيد في الحائط الغربي، بل هو الظاهر والأوضح، وهو يتخذ هيأة الحدود بين بلدين أو لبلد انشق إلى نصفين.. به ملامح الحدود انحناءاتها تعرجها فوضاها ولا موضوعيتها خطورتها وضياعها ولا جدواها.
: قم كفاك بحلقة  في الحائط!
: كم شقاً في هذا الحائط خمِّني! وإنْ عرفت الإجابة فسوف أقوم فوراً !
:اتندل نوم ما منك رجا!  
 بائع متجول على كارو ينادي على الخردة وسقط متاع البيوت، صوته مبحوح وبه لكنة من مكان بعيد من هنا...ينادي طالباً الخرد ينشد عقب كل نداء
: الهوا البزبنجي
يا حليلو الهوا البزبنجي
يا حليلو فارقناهو
يا حليل الهوا البزبنجي
خرد... خرد... خرد....................
    يصمت تأدباً حين يمر بصيوان العزاء المنصوب على ناصية الشارع، ينتظر المعزيين !!!
                                                   ***  
                                        محمد الفاتح يوسف أبوعاقلة
                                       الخرطوم  2010م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق