الأربعاء، 9 يناير 2013

التّجاني يوسف بشير بوتقة الرؤى والرّحيق



 التّجاني يوسف بشير بوتقة الرؤى والرّحيق
                                      بقلم أ. محمد الفاتح يوسف أبوعاقلة 
 شاعرٌ فذٌ وعبقريٌّ نابه من عباقرةِ الكلمِ والفنِّ والإبداعِ في بلادي، حَري بنا أن نحتفي بأشعاره ونوليها قدراً مُعتبراً من المُدارسةِ والنَّظرِ، ويتأتى لنا بعضُ هذا إن قمنا بنثرِ عيونِ شعره في مناهجنا عبر معظم المَراحلِ التَّعليميةِ.
        في شعرِه صلةٌ عميقةٌ ولُحمةٌ أصيلةٌ براسبنا الإنساني الحضاري! أشواقه، رؤاه، فكره، معايشته لواقع المجتمع السوداني آنذاك، وفي مَرْحَلةٍ مِفصليةٍ من مراحلِ تطورِ البلاد، خطوطه  ترتسم على قسمات وجودنا الحي غربة المثقف المبدع بيننا، والتي لا  تزال آثارها تلف حياتنا وواقعنا غربة عجيبة ! 
                  من بحر الكامل الأحذ
حَبَكَ الْقَضَاءُ شِرَاكَهُ وَرَمَى   لِلْعَقْلِ مِنْهُ بِضَيِّقٍ ضَنْكِ
وَالْعَقْلُ يَنْصِبُ مِنْ حَبَائِلِهِ   نُصُبَاً مَعَاقِدُهَا مِنَ الشَّوْكِ
أَنَا مِنْ قَوَادِحِ مَا تَجُرُّ يَدِي     أَبَدَاً قَنِيْصَةُ ذَلِكَ الْحَبْكِ
مَا زِلْتُ أَقْطَعُهُ وَيَعْقِدُنِي        وَالْمَرْءُ بَيْنَ قَلاقِلٍ رُبْكِ
      ويقول التجاني يوسف بشير

تَبَارَكَ الَّذِي خَلَقْ    مِنْ مُضْغَةٍ وَمِنْ عَلَقْ
سُبْحَانَهُ مُصَوِّرَاً     مِنْ حَمْأَةِ الطِّيْنِ حَدَقْ
شَقَّ الْجُفُونَ السُّودَ وَاسْتَلَّ مِنَ اللَّيْلِ الْفَلَقْ
وَاسْتَخْرَجَ الإِنْسَانَ  مِنْ مَحْضِ رِيَاءٍ وَمَلَقْ
مُفْتَرِعَاً مِنْ فَمِهِ         سِرَّ الْبَيَـــــانِ فَنَطَقْ
وَجَاعِــــلاً بَيْنَ حَنَايَا         هُ فُؤَادَاً فَخَفَــقْ
من مجزوء الرجز
ديوانُه إشراقة فيه كلُّ الإشراقِ والقُوةِ والجزالةِ والبَلاغةِ فِي قوالبَ من موسيقى الشِّعرِ وسِحْرِه. رغم المكابدةِ والأوجاعِ أوجاعِ الحياةِ التي تتمنعُ وتشاكسُ، رغم كلِّ هذه العقباتِ، تبَرعمتْ وازدهرتْ وأثْمَرتْ قطوفُ (إشراقة)، وتذوقنا حلاوةَ جَناها، فيا سبحان الله !!!
   إنها النفسُ الكبيرةُ، نفسٌ يطالُ مُرادُها الجَوزاءَ!! ولا تُقْعدُها صَدَمَاتُ الحياةِ، وشَظَفُ العَيْش فِيهَا.
هذا شاعرٌ يستحقُ منَّا كلَّ العنايةِ والحفاوةِ والتَّقدير، فهو عبقريةٌ قلَّ مثيلُها في مضمارِ الشِّعر، إنْ حاصرنا النُّصوصَ في حيِّزها الجُغرافيِّ والتَّاريخي، وفي البالِ أبو القاسم الشَّابي، شاعرُ تونسَ الخضراء، الذي عاش معه في نفسِ الفَترة الزَّمنية، وفارقَ الدنيا وهو في مثلِ سني عمره، والتي لم تتجاوزِ الخَمسَ والعشرين سنةً، عجبي لهذا الأمر!! فاعتبارُ الكمِّ هنا مدعاةٌ للعبرةِ والعظة!!! 
      ارتباطُه بالمَعْهَدِ العِلمي ونَظْمُه لقصيدتِه المُفَكرةِ ( المَعْهدُ العلمي) (عَرْضُحالٌ) لصِراعِ الأفكارِ ومعايشةِ الرَّأي الآخَرِ عندنا، بين التصالحِ والتَّقاطعِ معه!! درسٌ من الدروسِ التي ألقاها علينا، ولم نستفدْ منها بَعد! ولكنه لا زال متاحاً!!
                                                                 القصيدة على بحر الكامل الأول  
السِّحــــر فيكَ وَفيكَ مِـن أَسبابـه دَعَـةُ الـمُـدِل بِعَبقـري شَبابـه
يا مَعْهَدي وَمَحطَ عَهـدِ صِباي من دارٍ تَطرّقُ عَـن شَبـابٍ نَابـهِ
واليَومَ يَدفَعُني الحَنيـنُ فأنثني وَلهـــــانُ مُضطَرِبـاً إِلـى أَعْتابِـهِ
سَبقَ الهَوى عَينَيّ في مِضْمـاره وَجَرى وَأَجفَل خاطِري مِن بَابهِ
وَدَّعـتُ غَـضّ صِباي تَحتَ ظِلاله وَدَفنت بيض سني في مِحرابهِ
نَضّـرتُ فَجر سنـي مِـنْ أَنْدائِـهِ وَاشتَرتُ ملءَ يَديّ مِن أَعنابِهِ
هُوَ مَعهَـدي وَلَئن حَفظت صَنيعه فأَنا ابنُ سَرْحته الذي غَنـَّى بِهِ
فَأَعيذُ ناشئة التُقـى أَن يرجفــــوا بِفَتـى يَمتّ إِلَيـهِ فـي أحسابـهِ
مـا زِلت أَكبَرُ في الشَبابِ وَأَغتَدي وَأَروحُ بَينَ بخٍ وَيا مَرْحَى بِـهِ
حَتّى رُميتُ وَلَستُ أَول كَوكَـب نَفِس الزَمانُ عَلَيهِ فَضلَ شِهابـه
قالوا وَأرجفتِ النُفوسُ وَأَوجفت هَلَعاً وَهاجَ وَماجَ قَسـورُ غابـهِ
كفر ابنُ يوسفَ مِن شَقيٍّ وَاعتَدى وَبَغَى وَلَسـتُ بِعابـئٍ أَو آبـه
قالُـوا احرقُوه بل اصْلبوه بل انسفُوا للريحِ ناجسَ عظمهِ وإهابة
وَلَو أن فَوقَ المَوتِ مِن مُتلمـسٍ لِلمَرءِ مُـدّ إِلَـيّ مِـــــــن أَسبابـه
          قصيدةُ (الصُّوفي المعذب) توغلُ في عوالمِ مرتكزاتِ الثقافةِ السُّودانيةِ وتستبطنُ أسرارَ الوجودِ الحقْ، وتجلياتِ الحضورِ والشَّهادةِ والجَذبِ في نزوعٍ فكريٍّ يستحضرُ أبا تمام، وأبا العتاهية وأبا العلاء المَعَرِّي، وأبا القاسم الجنيد والحلاج وابن الفارض، فيسمو بالمَعنى، ويستخلصُ الفكرةَ من قبضةِ طينِ الوجودِ العطن، ويَرى خلفَ غيومِ الآني الكثيفِ ما لا تراه العينُ التي ران عليها اشتغال الأنفس بالمعاشُ ومغالبة كبد الكدح في طلب اللقمة الحلال. 
                                                          (على بحر الرمل) 
الوجودُ الحـقُّ ما أوسعَ في النَّفسِ مَداه
والسُّكونُ المحضُ ما أوثقَ بالروحِ عُراه
كلُّ ما في الكونِ يمشي في حناياهُ الإله
هذه النملةُ في رِقَّتهــــــــــا رجـعُ صداه
هو يحيـا في حواشيـها وتحيـا في ثراه
وهـي إنْ أسلمتِ الـــــــروحَ تلقتـها يداه
لم تمـتْ فيـها حيـــــاةُ اللهِ إنْ كنتَ تَـراه
     (أنشودةُ الجِّنِّ) غنائيةٌ عالية وتنويعٌ على النَّغم الموسيقي المتاح للقصيدةِ العربيةِ ويتجلَّى رواءُ اللحنِ المستكنِ في النَّصِ من خلال دوزنةِ شجنِ المُغَنِّي (سيد خليفة) رحمه الله، والصادرِ من ينابيعِ شدوِّه المترعةِ بالصَّحوِ والإشراق. القاموسه (نقاوة) من ألفاظِ العربيةِ القُحَّة (الرُّبى الوهادْ البيدْ ومعْبد وزريابْ والرَّباب ومناجاة الأعراب) في ملمحٍ من الاستغراقِ في الطبيعةِ التي تغْمِسُ النَّصَّ أو تكادُ في الرُّومانسيةِ العذبةِ 
                                                               (المنسرح الرابع توشيحاً)  
قـُمْ يـا طرير الشَّباب
غـَـنِّ لـنَـا غـَـنِّ
يـا حُـلو يا مُستطاب
أُنــشـودةَ الـجِـنِّ
وأقـطِفْ ليَّ الأعنـاب
وأمْــلأ بـها دَنـِّي
مِـن عـَبْقَرِيِّ الرَّباب
أو حـَـرمِ الـفـَـنِّ
صح في الربى والوهاد
واسـترقص الـبيدا
واسـكب عـلى كل ناد
مـا يـسحر الـغيدا
وفـجِّـــر الأعــواد
رجـعـا وتـرديـدا
حـتى ترى في البلاد
مــن فـرحة عـيدا
وامـسح على زرياب
واطـمس عـلى معبد
وأغـش كـنار الغاب
فــي هـدأة الـمرقد
وحــدث الأعــراب
عـن روعـة المشـهد
قصيدةُ تُوتِي في الصَّباحِ Gallery ومرسمٌ مفتوحٌ على جروفِ النيلِ صباحاً ومساءً في حضرةِ أهلِنا الميامينَ في توتي، فالشاعرُ يكتبُ تاريخَ جغرافيا المكانِ والمجتمعِ.
              يقول التجاني على على بحر المجتث 
     يا درةً حفَّهـا النيـــــــلُ واحتواها البرُّ
     صحا الدُّجى وتغشَّاك في الأسرَّةِ فجرُ
      وصاحَ بيــــن الرُّبى الغُـرِّ عبقريُّ أغرُ
      وطافَ حَولَك رَكبُ من الكَراكِي غُـــــرُّ
     وراحَ ينِفِضُ عينيه من بني الأيك حُرُّ
      فمـاجَ بالأيكِ عُشٌّ وقامَ في العُشِّ دَيرُ
    كم ذا تمــــازجَ فنٌّ على يديكِ وسحـرُ
     يخــــورُ ثورٌ وتثغو شـاةٌ وتنهقُ حُمرُ
      والبَهمُ تمــــرحُ والزَّرعُ مونقٌ مخضرُّ

ومما أسقطه مُصَممُ المَنْهجِ التَّعليميِّ مِن النَّصِ:


وَطَــلَّ قَرْنُــكِ يا شَمـــــــسُ آنذَاك يـُذرُّ
فكلُّ غُصــن مَصابيــحُ مِن نَدَى يُستدرُّ
ونوَّرَ الطلُّ واحمَّـر فِي الثَّرى المُخْضَرُّ
وذَابَ في الرَّملِ أو ماجَ في الترائبِ تِبرُ
تُرجِّلُ الرِّيـحُ ما أنْهَالَ من نَقَــــا أو تذَرُّ
رَمَـلاءُ يُبـْرِقُ دُرُّ مِنْهَا ويُبْهِــــــــــرُ ذَرُّ
-عبقريةٌ في اللغةِ العربيةِ ومآلاتِها، الشَّيءُ الذي نَحِنُ إليه الآن !!
-عبقريةٌ في الأسلوبِ يترسمُ خطاها المبدعونَ وطلابُ الأدب.
-عبقريةٌ في الأفكارِ والرؤى والأخيلةِ، تهفو لها أنفسُ القومِ في كلِّ المواقيتِ ! 
                                              قصيدة محراب النِّيل 
                                                                          (بحر الخفيف)
                            أنتَ يا نيلُ يا سليلَ الفَراديسِ
                                                نبيلٌ موفَّقٌ في مَسابك
                           حضنتك الأملاكُ في جنةِ الخلدِ
                                             ورفَّت على وضئ ِعُبابك
                            وتحدَّرتَ في الزَّمانِ وأفرغتَ
                                        على الشرقِ جنةً من رِضابك 
                           عجبٌ أنتَ صاعداً في 
مراقيك
                                        لعَمْري أو هابطاً في انْصبَابك
                           كم نبيلٍ بمجد ماضيك 
                                       مأخوذٍ وكم ساجدٍ على أعتابك
      بين نثرِه وشعرِه صلةٌ عميقةٌ! 
أشار إلى ذلك الأديب الرَّاحل الدكتور محمد عبد الحي -عليه رحمة الله-، في دراسته القيمة عن التجاني يوسف بشير،  تحقيق الآثار النثرية الكاملة للتِّجاني يوسف بشير. 
                      يتبع...

    





مطر، مطر، وقوس مطر Rain, rain, rainbow: بوادينا بالفضائية السودانية

مطر، مطر، وقوس مطر Rain, rain, rainbow: بوادينا بالفضائية السودانية:   فريق برنامج بوادينا قرب الدفوفة برنامج بوادينا  برنامج تلفزيوني بالفضائية السودانية، عرفه أهل السّودان وتواصل معه الناس داخل وخارج السُ...

الثلاثاء، 8 يناير 2013

بوادينا بالفضائية السودانية

 فريق برنامج بوادينا قرب الدفوفة
برنامج بوادينا برنامج تلفزيوني بالفضائية السودانية، عرفه أهل السّودان وتواصل معه الناس داخل وخارج السُّودان.... 
المخرج صلاح أوندي والمصوّر أحمد زيدان والأستاذ هاشم علي، ومحمّد الفاتح يوسف أبوعاقلة، معد ومقدم برنامج بوادينا، والسائق المبدع محمد ابنعوف، ينفذون حلقة مع خبراء الدّبابيك، بمعطن دنقلا.
  محمد الفاتح  يوسف أبوعاقلة معد ومقدم برنامج بوادينا مع مشال عربان قبيلة رفاعة بالبطانة 
وهو برنامج تراثي ثقافي بدأ بثه منذ مايو 1993م، واستمر حتى عام 2004م، -أحد عشر عاماً-، ولقد جاب فريق البرنامج المكوَّن من مُعد ومقدِّم البرنامج محمد الفاتح يوسف أبوعاقلة والمصورون إبراهيم عبدالجليل والرحيمة كوة، وأحمد زيدان وحامد تيراب ونادر وخالد، ومن إدارة البرامج الأخ هاشم علي.
والمخرجون الذين توالوا على إخراج البرنامج منهم: إسماعيل عيساوي، ومجدي خضر مبيوع وصلاح أوندا وجلال البلال وحسن كدسة وغيرهم...
مع الشاعر الشّعبي الأصيل المتفرّد ميرغني عبدالله الكردوسي 
  ولقد كان البرنامج يبث أسبوعياً وبهذا فقد رفد البرنامج مكتبة الفضائية السّودانية بمئات الحلقات التي تعد الآن مرجعاً لكثير من البرامج والمواد التفزيونية الأخرى، ولقد تمكن فريق برنامج بوادينا من الطواف عى معظم بوادي السودان، فتواصلت كاميرا البرنامج مع بيئات ومواقع تصوير لم تصلها الكاميرا من قبل، ولا زال أهل تلك البوادي يشيدون بالدور الذي قام به هذا البرنامج تجاه تراثهم وثقافتهم، ولا زالت الصلات الثّقافية موصولة بين معد ومقدم البرنامج مع تلك الأوساط الاجتماعية السّودانية الحفية بالأصالة والإبداع. والشاهد ان عدداً من المحلات التجارية والبصات السفرية أصبحت تحمل اسم بوداينا في ولايات السودان المختلفة. 
 عبدالله الدكيم شاعر ومطرب شعبي من الدندر
 فرقة أبوشوتال بالنيل الأزرق
    مع المطرب الشعبي محمد عوض الكريم محمد عدلان بالبطانة
أصبح برنامج بوادينا موضوعاً لعدد من الدّراسات السّودانية في مجال البرمجة الثّقافية التراثية، فأثبته كثير من طلاب الإعلام والآدب في بحوثهم ودراساتهم. 
    أحد عشر عاماً من الحراك الميداني والتّصوير في مواقع طبيعية لتوثيق ثقافة الإنسان السّوداني عبر برنامج بوداينا وبرنامج السَّامر البدوي وبعض الحلقات الخاصة بالأعياد كحلقة (وهاط العز) مع الأخ المخرج الراحل (رحمه الله تعالى) عيسى تيراب، وغيرها من الأعمال التّلفزيونية التي أعدها وقدمها محمد الفاتح يوسف ابوعاقلة بفضائية السودان، وسوف تعينه تجاربه فيها ليخرجها في شكل كتاب يوثق لهذا المجهود المهم جداً في مسيرة العمل التّلفزيوني السّوداني؛ لأن ذاكرة القائمين على أمر الفضائية السّودانية الآن تنسى! ولا تلتفت لمثل هذا العطاء، ولكن ذاكرة أهل السّودان خصبة وحية ووفية لمثل هذه الأدوار التي يقوم بها أبناء الوطن بكل السخاء والتجرد. 
  كثيرة هي الأسماء الثقافية التراثية التي أطلت على المشاهد السّوداني لأول مرة من خلال برنامج بوادينا، ومعظم هذه الأسماء الآن من القامات الثَّقافية المتميزة جدا في مجالات التراث الشَّعبي المختلفة. وكثيرون يعترفون لهذا البرنامج بفضله ودوره المهم في مسيرتهم الثّقافية.
   

الاثنين، 12 نوفمبر 2012

ما في طريقة

                              ما في طريقة ! 
                                     رداً على الفيلم المسئ لرسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. 

                                                                                      شعر: محمَّد الفاتح يوسُف أبوعاقلة  

الأربعاء، 24 أكتوبر 2012

عيد مبارك وسعيد

كل عام وأنتم بخير 
عيد سعيد 
أعاده الله علينا وعليكم باليمن والخير والبركات  ! 
آمين !
            محمَّد الفاتح 

الأربعاء، 17 أكتوبر 2012

بيت شعر مهم جدا

يقول شاعر آخر عصر للاحتجاج اللغوي، ابن هرمة: 

قدْ يُدْرِكُ الشّرَفَ الفَتَى ورِدَاؤه       
                               خَلِق وجَيبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ  
   ولا تعليقَ لنا على هذا البيت ! 
فهو كافٍ واف. 


الأحد، 30 سبتمبر 2012

(الفراغ العريض) لملكة الدار محمد، رواية متفردة ونادرة

غلاف رواية الفراغ العريض لملكة الدار محمَّد
الغلاف الأخير للرواية وبه سيرة ملكة الدار محمد  
        رواية (الفراغ العريض) 1970 م رواية سودانية، لم تجد حظّها اللائق بها، من البحث والنَّقد والمدارسة، وما كتب عنها حتى الآن، لا يعدو كونه اسقاطات عفوية تحاكم النّص مسبقاً بفرضية الحقبة التّاريخية، وقوالب النّقد الجاهزة التي لا ترى في القديم ما يشى بنَفَس وملمح من ملامح التّكنيك الحداثوي، الذي ينسب دائماً للراهن من التاريخ، ونسي هؤلاء أنّ المتنبي أكثر حداثة من بلايين الشّعراء الذي يملأون منابرنا الثّقافية بضجيج وفحيح مزعج. 
   لقد وظّفت ملكة الدّار محمّد في رواية (الفراغ العريض)، اللغة توظيفاً جمالياً وتمكنت بالمزاوجة بين المحكي اليومي والألفاظ المعجمية المدرسية الفصيحة، في سبك من السّرد الميسور السّهل دون معاظلة وتقعير!  
"ومادت الأرض تحت قدميها فاستندت إلى الجدار السميك، وأحست بعزلة قاتلة، وبحاجة شديدة للبكاء - بل للصراخ، ودت لو تصرخ وتملأ الدنيا صراخاً، فلم تستطع. وأرادت أن تجري وراء العربة في الشارع ولكن قدميها مسمرتان إلى الأرض وهي مشدودة إلى الجدار.
 وبعد لأي وقد تقدم الليل، استطاعت أن تتحرك، وأخذت تسير في اتجاه بيتها بخطى مضطربة، والدنيا مظلمة في جهها، والمرئيات تدور أمام بصرها وتدور، ونفسها كسيرة وقلبها مجروح، والفراغ عريض،عريض" خاتمة الرواية  ص   200
   منى وصلاح وحاج عمر وسارة وسعاد وسيد، شخصيات من لحم ودم وهموم ومواجيد وأحاسيس وأشواق، تحددت قسماتها وتجلت بوضوح وعفوية ونزوع واقعي، دون رتوش وتمويهات وافتعال.
 وأنت عندما تطالع النّص، تقف هذه الشّخوص أمامَك بكل مكنوناتها، ولا يكون دورك سالباً، بل تقوم بردم الفجوات، والمشاركة في تخلّق تلك الشّخوص، استنباطاً وكشفاً.
   كردفان والنّيل الأزرق حيث الطبيعة (الشّحمانة المدوعلة)، المتنوعة الغنية الراكزة في عمق الوجود الإنساني الحي، عندها وعند هذا الفضاء المتوتر بالمرئيات المدوزنة بالعافية، كانت مخبوءات الرّوى تصطرع في مخيلة ملكة الدار محمد، فتخوم سنجة، وقيزان وخضرة وكردفان وتراثها، عوالم من البهاء لا بد لها من تمظهر وتجل في خطوط سرد ملكة الدّار محمّد، لأنها كانت هناك! والعواصم بكل انكساراتها وأوجاعها تأبى إلا وأن تكون في ركاب العفوية والطلاقة والبراءة والندى! (وراك وراك)، فزمان الرومانسية محاصر ومطارد ومعزول في عصور التّاريخ والعمران المهجور في الضهاري والأخالي والصقايع المترامية في النجوع والوهاد والبوادي البعيدة عن متناول المدينة و(قوة عينها).
"وقد أشرق صحواً بهيجاً، فلما انتصف النهار تبدل صفوه  وتغير صحوه، واشتدت حرارة الشمس، وانصب لهيبها قاسياً محرقاً  يلهب الأجسام،  ويحرق الوجوه، وأخذت قطع السحاب تتجمع هنا وهناك حتى صارت سحباً كثيفة حجبت الشمس ومنعت الهواء ونشرت ظلمة قاتمة بعثت الضيق في النفوس والغيظ في قلوب الذين لم يفرغوا من انجاز أعمالهم، ولبث الناس ينتظرون مطراً غزيراً ومياها كثيرة" ص 24
    طباعة رواية (الفراغ العريض) في عام 1970 م متأخرة كثيراً عن زمان تخلقها وميلادها، فأجواؤها وعوالمها تؤهلها لعقدين سابقين من الزمان، وفي هذا الزمن المبكر من عمر الرواية العربية والإفريقية والسودانية مما يجعلنا نبحث عن رتبة تلائم هذا السبق للمرأة السودانية التي تمتعت بلعب دورها الرّيادي في التّنوير والإبداع، فشخصية المرأة السودانية في هذا النص الروائي -الفراغ العريض- شخصية متوثبة، وليست كما يشاع (كان فاس ما بتشق الرّاس (بل تشقه وتشقه وتشقه)! هذا في مقام الدلالة على الفعل والعطاء! والحضور الحياتي الفاعل جداً ! ""لو أنه عارض رغبتها ! إنّ في وسعها أن تسعى إلى ما تريد دون أن تكترث له أو لغيره، لولا أن شروط خدمة المتزوجة تقتضي موافقة الزوج في ذلك الوقت" ص 131
) لن تكترث  له أو لغيره (شاهد على نمو الشّخصية القوية المتماسكة المستقلة، التي تعرف حاجتها التى تقتنع بها، وتتجه نحوها بكل قوة وعزيمة! 
والكتابة عن المرأة وقضياها بأدوات السرد الروائي، في تلك الفترة من عمر الثقافة السودانية، نقطة مضيئة، وريادة لها وزنها الراجح المعتبر. وذلك لأن المفهوم المغلوط السائد عند الناس، هو أن المرأة السودانية لا تساهم في رفد الفعل الثقافي، لما تمر به من أحوال اجتماعية ضاغطة، والشاهد أن هذه الأحوال ليست وقفاً على المرأة السودانية وحدها، بل هي حالة عايشتها المرأة في كل أركان الدنيا، في تلك الفترة لأنها مرتبطة بالوعي والمد الحضاري للتجربة الإنسانية.
-   تقنية السّرد عند ملكة الدّار محمد.
مصطلح التقنية  المنحوت من لفظي العلم والصناعة (الفن) (Techno – logia) حفي بالرواية وأساليبها وطرق سردها، ومسار أسرارها وحرفيتها التي عرفت بها. ويعرف قاموس مريام  ويبستر مصطلح التقنية بأنه:" التطبيق العلمي للمعرفة خاصة في حقل معين" http://ar.wikipedia.org/wiki/  
والتقسيم الحاد بين المناهج، الكلاسكية، والرومانسية والتاريخية، والواقعية والرعوية وغيرها، تقسيم تلحقه بعض الشوائب والبقع الداكنة المعمية، فبين هذه المناهج قواسم وعلائق، وإن فصل الزَّمن وتاريخ الأحداث بينها. 
   رواية الفراغ العريض، رواية تلتزم تقنية سردية تتنوع فيها عناصر السرد، وتحيل القارئ إلى فضاءات من الحكي المشبع بالخبرات، فالفلاش باك والبانوراما والرسائل والنزعة البوليوفونية Polyphony (تعدد الاصوات) على غير المألوف في فترتها الزمانية، وتنوع خطاب السرد من خلال ضمير المتكلم، والمخاطب والغائب، وتسارع الزمن وتفتيته، هي بعض الأساليب وتقنيات السرد، التي تعالج بها رواية الفراغ العريض،
- النَّقاد والرّواية. 
- اللغة وعتبات الكتابة.
- المرأة السّودانية وعوالم الرّواية .
تبع.......
                                                                                                 محمّد الفاتح يوسُف أبوعاقلة