السبت، 16 أكتوبر، 2010

التّمساح Crocodile

حيوان نيلي، يعيش في الأنهار العذبة التي ترفد نهر النّيل في السّودان، وهو يبيض ويدفن بيضه على رمال الشّواطئ ليفقس عن صغار يشبهون " الورل" " الوزغ"، "الحرش" وعند سكّان جنوب النّيل الأزرق يطلقون على ورل الماء "جنا التّمساح". وتدمع عيناه عند الأكل لهذا أطلق النّاس مقولة " دموع التّماسيح" على الذي تدمع عيناه افتعالاً وتمثيلاً دون حزن حقيقي.وهناك نوع من المرض يصيب الغدد الدّمعية ويؤدي إلى جعلها دائمة الدّموع.
وهو حيوان برمائي مفترس، وأنواعه تقارب المائتين وواحد وسبعين نوعـًا في العالم، وهويعيش على أكل اللحوم ويفترس الإنسان، لهذا نجده في الثّقافة السّودانية رمزاً للقوّة والبطش والصّولة، ومن أسمائه:
- اللدر.
- أبْ كريق.
- العُشاري.
- الكبجن.
اللدر العلى ضهرو الخبوب والطّيـن
ما بياكل الضّعيف ما بسولب المسكين
إلا سمة الأسد أب قبضةً هين
وللتّمساح ظهر صلب قوي وسميك عليه " الكريۤق" وهي الطبقات السميكة المترادفة التي يتخللها طمي النيل وقد تنبت عليه الحشائش، وشاعر الشّكرية يوسف أب آحميد يخاطب شقيقه دريس أب آحميد قائلاً:
الفـرع البمـوح في حجرة أب زلّيق
من فوق النّمـر تحت الأسـد حلّيـق
في الوسطى دقـر نقوة المنطّع زيـق
منّك ؤلي إدر موجـة وبشيل إطبيـق
فيرد عليه دريس بقوله:
أنا عندي الحربة للدّقر المنطّع زيق
وعنْدي الجُلَّة للـدر البشيـل إطبيق
عندي أب عشرة للأسد البحوم حلِّيق
سحبت أب نـوّة للنّمر البقولو إشفيق
......
وهنا جملة من الأسلحة التّقليدية التي تمكن الإنسان من التّصدّي لهذا الحيوان المفترس ولقد ذكر الشّاعر منها:
1- الحربة.
2- أب عشرة وهي بندقية.
3- وأب نوّة وهو السّيف.
4- و"الجلّة" لصيد التّماسيح، وهي حربة من نوع خاص، مسننة وحادّة، وتربط على سلك سميك جداً، وفي آخر هذا السّلك خشبة من النّوع الرّخو
"الطّرور"
لتطفو على سطح الماء محددة مكان التّمساح، فيتابعها الصّياد ليتمكّن منه بعد أن ينهكه بالمطاردة.
ويذخر الشّعر السّوداني بالإشارات إلى هذا الحيوان الذي شغل النّاس كثيراً، وأسهم في ثراء المخيّلة الشّعبية السّودانية، فالأشعار والقصص والحكايات والأمثال والأحاجي والأغاني لا تخلو من التفاتات إلى التّمساح وحكاياته.
أب كريـق في اللجج
ســدّر حبس الفجج
عاشميق حبـل الوجج
أنا أخوي مقلام الحجج
وقصيدة حاج الماحي المادح عن التّمساح شاهد على خطورة شأن هذا الحيوان وسطوته على ساكني ضفاف النّيل، فالتّمساح الذي أشار إليه في قصيدته قد كان مثار قلق وتوتر شديد في الشّمالية آنذاك، فما كان من حاج الماحي بفطنته ومنهجه الدّاعي إلي محبة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الدّاعي إلى المحبة والتّواصل والتّواد بين النّاس، إلا وتوظيف هذا الحدث بجذب انتباه النّاس‘ ومشاركة همّهم من خلال نظمه الرقيق، ودعوته للصالحين من الأولياء،(رجالة البركل)، بالتّوجه بالدّعاء لله لصرف هذا البلاء عن العباد.
شي لله يارجالـة البركـل
السّهرانـة الليل ما بتكسل
التّمساح تمساحـا جسّـر
وأمرو عليكـم مابتعسّـر
.....
فوصف التّمساح بالجسارة وصف صحيح وموّفق لأن هذا الحيّوان يهاجم فرائسه بقوة وجسارة. بل يصطادها أحيانـًا وهي على شاطئ البحر "القيفة" ويستخدم في هذا ذيله الطّويل، الذي يضرب به الفريسة لتسقط داخل النّهر ليقوم بعد ذلك بافتراسها.
تمسـاح الدّميـرة الّضارب الليا
يبلع جب وجب لخصيمو جـد ليّا
"الليّا" هي المكان الذّي ينحني عنْده النهر، وهو من الأماكن التي يتوقع وجود التّمساح فيها، وتشبيه الفارس الذي يهزم، ويدمّر أعداءه بالتّمساح، تشبيه ينم عن إدراك الذّهنية الشّعبية العميق، لخطورة وقوّة التّمساح.
يتحدّث أهل السّودان كثيراً، عن التّمساح ونجده في نسيج حكاياتهم وأمثالهم، وكرامات أوليائهم، كما ورد في قصّة "جلوك"، حوار الشّيخ يوسف بن محمّد "قنديل الدّهب"، والذي اختطفه التّمساح من على شاطئ "أبوحراز" بلدة السّادة العركيين، أهل الصّلاح والطريق القادري، والمناقب الكثيرة. حيث استنجد الناس بالشّيخ يوسف الذي تصدّى للتمساح، وأنقذ منه حواره وتلميذه "جلوك"، ولازالت الذاكرة الشّعبية تردد هذا الموقف وتشير إليه. ويرد ذكر التمساح في ألعاب الصّبية، كلعبة شليل:
شليل وين راح ختفو التّمساح
شليـل وينـو ختفـو الدّودو
***
والعجيب في الأمر، أنّ هذا الحيوان المفترس، تستخرج من غدده الدّهنية، مادّة تضاف إلى الكُمْبا، والمَحَلَب، والجنزبيل، لتُنتج مايسمّى بالطيب المربّع، وهو عطر من أطيب عطور أهل السّودان قديمـًا، ولتلك الغدد اسم سوداني خالص، وهو"الدِّرَب" وربما يكون اللفظ مشتّقاً من الدِّراب، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر ليقِبَّ، أو ربّما تكون بمعنى الضّرى، كما ورد في القاموس. ومما ذكره الشّيخ كمال الدّين الدميري في "حياة الحيوان الكبرى"، عن التّمساح قوله:
" التّمساح اسم مشترك بين الحيوان المعروف والرّجل الكذّاب، قال القزويني: وهذا الحيوان، على صورة الضّب، وهو من أعجب حيوان الماء، له فم واسع، وستون نابـًا في فكّه الأعلى، وأربعون في فكّه الأسفل، وبين كلّ نابين سن صغيرة مربّعة، ويدخل بعضها في بعض، عند الانطباق، وله لسان طويل، وظهر كظهر السّلحفاة، لا يعمل الحديد فيه، وله أربع أرجل وذنب طويل."
وأورد عنه: أنه يغيب تحت الماء طوال فصل الشّتاء، ويعيش حوالى الستين سنة، ويُسمّي الطّائر الذي يلازمه وينظّف له فمه، بالقطقاط، وذلك لأنه ليس له دبر يخرج به فضلاته.
وأشار إلى تحريم أكله، مستنداً على رأي محب الدّين الطّبري والرّافعي، بحجة أنّه يعدو بنابه، وأن أكله من الخبث.
وللتّمساح طريقة عنيفة ووحشيّة في التهام فرائسه، إذ بعد أن يمسك بها، يقوم بتطويحها في الهواء، ثمّ يضرب بها الأرض بقوةٍ، مرات ومرّات، حتّى تهرس كلّ العظام التي بداخلها، ثمّ يقوم بهزّها في الهواء، ليذرروها فتتطاير منها العظام بعيداً، وبعد ذلك يقوم بالتهامها دفعة واحدة، وكثيراً ما يجد الصّيادون، حلي النّساء وأدوات زينتهن، في بطون التّماسيح وكذلك السّاعات، ولوازم الرّجال.
يقول الشّاعر الفرجوني أحمد عبدالله البنّا:
تمساح أدبـره الحجّر مشـارع القيف
يانمـر الفروع في الغابة ماك ضعيف
ياالضّل الرّهيـن الفي هجمة الصّيف
للدّايـرك محنّـة وللمعاديـك سيـف
حقّ الشّكـرة صح عيسى البتم الكيف
يؤسس الشّاعر صورة متخيلة لهذا الكائن البرمائي المفترس، الذّي اقتحم فضاء الثّقافة الشّعبية السّودانية، وتحوّر الآن ليصبح رمزاً للجشعين من النّاس، الذين يعتدون على الأموال ظلماً وعدواناً.
وفي المديح الذي قيل في الشّيخ العبيد ودبدر "ود ريّا":
ياتمساح الأربعين
يا مكدّب نايبك سنين
نـادر ود بـدر
في أم ضبّان ساسك متين
محمّد الفاتح يوسف أبوعاقلة

هناك تعليق واحد:

  1. كتاب ..كمال الدين الدميري ....واحد من اكثر الكتب التي قرءتها في حياتي جهلا ....للتمساح دبر ويخرج فضلاته منه ..والتمساح برماءي ....له رءتين وقلب ...وليس له خياشيم ولا يتنفس بالجلد .بالتالي غيابه تحت الماء فترات محدوده ...التمساح ينمو حتى يموت ولا يبلغ سن يتوقف فيه ..فلبس له وسيلة تحديد عمر .......وماذكره هذا الشيخ عن شرب دم التمساح وطبخ مرارته بالسكر ...انها تنفع الصبي وتحسن اخلاقه وتساعد عربيد السكر فهذا والله الجهل بعينه

    ردحذف