السبت، 16 أكتوبر، 2010

دواديب Dwadeeb 3

دواديب (3)
محمّد الفاتح يوسف أبوعاقلة
صّدّيق محمّد العوض ـ رحمه الله ـ شاعر قرية راما الخوالدة،
التي تقع على طريق ودمدني الفاو بولاية الجزيرة، شاعر من ذوي المقاصد
التّربوية العالية، ففي مجمل شعره الشّعبي الذي تركه رصيداً للثقافة السّودانية، نشهد هذا التوجّه نحو القيم السّودانية الرّاسخة، والتي سعى الشّاعر بكل طاقاته لإبرازها ومخاطبة الأجيال الجديدة بها، واستخدم في خطابه الشّعري الحوار والتّصوير الدّرامي والتّكثيف، فجاء شعره مترعاً بالموسيقا العذبة، فنجده منحازاً إلى إيقاع العمل والعطاء.
أحمـــــد دَقّ حوضو وغَرَّق الكُونِية
وكَرْبتْ يسْقِي حَركَاتُو البِجنّو ضِمِيّة
حِس القَرْعَة بين الجَالْسَة والقُمريَة
زَي صَفقَــــة جَماعَة ولَعْبتُن شَعْبية
والحركات جمع حَرَكَة وهي مجموعة الإبل التي تبلغ المائة، ولحرف الرّاء فيها ترقيق خاص يتقنه اللسان العامّي. فدَقُّ الحوض حركة، وجعل "الكونية" حفرة عميقة لتمسك الماء، حركة أخرى لسقيا الإبل في دفعات ومجموعات منظّمة، وهذا على ضفاف الأنهار والعدود والحفائر وغيرها من مظان الماء في بوادي السّودان، وكربيت الإبل حركة ثالثة، وضربات القرعة على جالسة السّرج حركة رابعة، والجماعة الذين يلعبون ويصفقون تصدر عنهم حركة جامعة لمعنى مخبوء في ثنايا النّص الشّعري الشّعبي؛ وهو أن الفرح والسّرور والغبطة محصّلة تعقب العمل وأداء الواجب المتمثل في حسن رعاية الثّروة الحيوانية، سند الإقتصاد السّوداني عند الشّدائد ومدلهمات الأيام. والشّبه بين حس القَرْعة وضرباتها بين الجَالسة وقُمرية السّرج التي تعني جزءاً منه، وبين صفقة الجماعة ـ وأداة التّشبيه العاميّة " زي" تسد مسد الكاف هنا، وهي تسمّي الهيئة في الفصيح عند كسر الزّين ـ شبه واضح ويمكننا تمثله ومحاكاته وأداؤه ورسم حركته.
والخطوط التي تشكلّ صورة النّص الشّعري الشّعبي عند صّديق محمّد العوض، من الوضوح والجمال بحيث تحدث فينا الأثر القوي، الذي يجعلنا نحذر حذر أبي بكر الخوارزمي من موسيقا البحتري:
يُذَكِرُنيك والذَّكْرَى عَناءٌ مشابه فِيكِ بيّنةُ الشُّكُولِ
نسيمُ الرّوضِ في ريحٍ شمالٍ وبَردُ المَاءِ في رَاحٍ شمولِ( )

فيقول عند سماعه لها: لا تنشدونيها فأرقص طربـًا...
وعند صّديق محمّد العوض ـ رحمه الله ـ رسالة تربوية تعليمية يلتزم بها ويتوخاها في كل مربعاته الشّعرية الشّعبية، فهو ناصح للشّباب، يحثهم على العمل ومساعدة الآباء، ويقوم بإجراء المقارنات بين اليوم والأمس، ويحن إلى القديم الذي يرى فيه الأصالة والعافية للنشء. وتتخذ أشعاره في أحايين كثيرة أشكالاً ناقدة للعديد من الظواهر السّالبة في المجتمع الريفي.
تَعالْ نُوصيك قبُّال ما تَضُوقلك غَشَّة
نَفْسَك فِي مَضَبّات ضَيقة ما تْخَشِشّة
ؤتَلقَى الفِتنة نَايمة أوْعَاك مَا تكشْكشّه
والعَقْربْ كَمان فِي ضَنَبها ما تَهَبشّه

نصيحة غالية ما أحوجنا إليها ونحن نسعى لبناء سودان التّسامح والتّعايش والسّلام، فاحترام الآخر ومراعاة خصوصيته من أوجب الواجبات علينا ونحن نحيا في بلد الإثنيات المتعددة المشارب والمفاهيم.
وفي صورة العقرب ولمس ذنبها، إشارة إلى التّهور واقتحام الأمور دون الإعداد لعدتها وعتادها، فهي دعوة إلى التّروي في التّخطيط، والحيطة لابد منها للسّلامة من العواقب المتوقعة. وفي هذا منحى من المنطق "logic " . ويتخذ من المفارقة والمقارنة مركبـًا لرؤاه في واقع الحال المعاش.
أحمد حام كتيــــــر كلّ الصّنــع فتّشّن
ؤصدّ يصدف إبلـــو وبالخلا يطششن
داير يكسر ضمي المسدار بعيد عطّشن
بسّط وصرّ شق ؤواحدات كلّهن كمّشن
والنّاقة البسوط هي التي لا تربط أثداؤها بالصُّرار، وهو قطعة القماش التي يربط بها الثّدي، فناقة بسوط وأخرى صر شقّها وثالثة مكمّشة - صُرّت كل أثداؤها – بحيث لا ترضعها صغارها، والكمش هو القبض والتقلّص. وكسر "الضمي" ، وهى من الظمء في اللسان الفصيح، وهو مابين الشّربتين للبهائم، ففي هذا المربوع ثقافة شعبية وسر من أسرار الرّعي ومعاملة الحيوان للإستفادة من خيراته الكثيرة، وهي الثقافة التي يتقنها أحمد، لهذا عاد إليها، ومثلنا السّوداني يقول: جناً تعرفو ولا جناً ما تعرفو.
وتتجلى في المربوع السّمة المميزة للهجة العاميّةالسودانية، والتي تبدل ها الملك للمؤنث نونـًا عند الجمع: فتّشّن، يطشّشن، عطّشن، كمّشن. الشّئ الذي أشار إليه العلامة الرّاحل، بروفيسير، عون الشّريف قاسم( رحمه الله)، في قاموس اللهجة العاميّة في السّودان.
حتى الرّياضة بلعب كرة القدم في البوادي والأرياف، لم تغب عن رصد الشاعر الأصيل الصدّيق محمّد العوض، والذي يرى في الرّياضة ولعب كرة القدم بالتحديد، نفعــًا وفائدة ولكن إن لعبت في ميقاتها ومكانها الصحيحين، مع تجنب مواقيت العمل في الزّراعة والرّعي، ومساعدة الآباء الكبار.
مادامْ في مَطـــر ومادام بجينا خَريفْ
أنا في رأيي لعب الكورة ماهو ظريفْ
أعْمَــــــال المَعاش لابُدّ مِنْ تَصْدِيــــفْ
أكان لي شورة حقّها تتلعب في الصّيفْ
نعم ! اختلاف الرأي لايفسد للود مع أهل الرّياضة قضية، ولقد جاء الرأي في شكل مقترح للعب الكرة في فصل الصّيف، حيث يزيد وقت الفراغ ويتسع ، وذلك لغياب الأعمال الزراعية المطرية، وهي أعمال معاش وعليها قوام اقتصاد الأرياف والبوادي فلابد من اعطائها العناية التي تستحق. وصّديق محمّد العوض داعية إلى التمّسك بالأرض والاعتماد عليها في حل كل المسائل الحياتية، وعدم مجاراة الآخرين وتقليدهم .
الزّول كان ثَبتْ في فجتو وما زَحّ
ده الأحْسن كَتير وأبْدَع كَمان وأصَحّ
خَيالات الزّمانْ ماتَجري يوت تَابِعها
والنّاس سَارحة بالزّول كانْ بَذق كانْ قَحّ
هذه دعوة طيّبة للارتباط بالأرض والدّيار، وهي تلمس وتراً حسّاساً في واقع الحياة السّودانية التي شهدت تشتت الكثير من الأسر، التي فارقت ديارها ومنازلها التي ألفتها، إلى منازل وأحوال جديدة، ربما تكون أحسن وربما لا.........
فالهجرة من الرّيف إلى المدينة ظاهرة أسهمت في ظهور الكثير من الأحوال والمشاهد ، التي نجد ظلاها الدّاكنة الكثيفة على المدن الكبرى، والعاصمة خير شاهد على ذلك ! فالأولى الثبات في المحل والفِجّة!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق